2011/07/11

من أين تأتى؟



ماذا يفعل الولد وقد استيقظ اليوم، وهو يشعر بمزاج سيء؟
عادة يحدث معه ذلك عدة مرات في الشهر، وعندما يفكر في الأمر لا يعثر على سبب واحد يعكر صفاء روحه.. هو فقط يصحو من النوم فيجد نفسه هكذا، جسد ثقيل لا يرغب في ترك الفراش، ووجه يرمق السقف بعينين تشبهان عيون السمك..
أيقن الولد أن هذا ليس يومه، وعليه الآن أن يهيئ نفسه لمرافقة الملل واللامبالاة والانغماس في الصمت.
فكر: انه لابد وأن يقرأ كثيرا في علم النفس، ليس للبحث عن علاج لحالته، والتي يراها غريبة، وإنما فقط من أجل المعرفة، قائلا: إن المعرفة وان لم تقودك إلى الحل، فهي على الأقل ستقلل من رهبتك، وتساعدك في التعايش بسلاسة مع مزاج سيء يأتي بلا سبب.
قطعة من البهجة.. هذا ما كان يدور في خلد الولد..
البهجة هي بالضبط ما يحتاجه الآن، في هذا الصباح الباكر، بهجة تجعله يغادر سريره بخفة ويمارس طقوس يومه بهمة ونشاط.. بهجة تجعل مزاجه صافيا، وقادرا على الكتابة بشغف بينما موسيقى محببة تعزف في خلفية المشهد.
ترى.. من أين تأتى البهجة؟

2011/06/18

تفاحة نيوتن


قبل أن يرحل
سيتمتم: "أنا مثل أخوك الكبير، لا تكسفني"
ويدسها فى يدي،
أحيانا يكون كريما لدرجة لا تحتمل
فيملا جيوبي وحقيبتي
يفعلها دون أن يرعش له جفن،
وبحرفية عالية
تجبرني على التزام الصمت.

انظر
ثمة نصيحة يتيمة، جائعة
قابعة في راحة اليد
ستبدأ بعد قليل
في امتصاص الدم.  

2011/06/16

موسيقى


الكائنات الخرافية التي أخبئها في جيوبي
وأسربها إلى حجرتي بين وقت وآخر
بدأت تزحم المكان
وتتحول إلى نسخ متعددة منى،
تدمن سماع الموسيقى
التي لا تتوقف عن العزف بداخلي،
ومراقصة الصمت
والكتابة في الهواء
والتنقيب عن بيوت النمل.

   
قل لي يا طاهر:
كم كلمة نطقتها اليوم؟ 

2011/06/15

صباح جديد



استيقظ الولد مبكرا على غير العادة..
فتح عينيه بسهولة ويسر، عتمة خفيفة تلفه برفق، وتحث الروح على الدخول في مرحلة من التأمل والتفكير، يأتيه صوت ديك متقطع، بعيد بعض الشيء عن أذنيه لكنه واضح، ديك يسكن إحدى الشرفات ويراقب شارع خال من المارة بينما يجرب صوته بكل حرية.. العصافير تمارس أيضا غنائها الخاص، أعداد كبيرة تسكن شجيرات مدخل العمارة، ما أن ترتفع يد المايسترو في الهواء، حتى تبدأ موسيقاها في صعود السلالم والتسرب إلى الشقق الناعسة.
بينما ضوء خفيف يتسرب ببطء من شباك المطبخ، يتسرب على مهل وبخجل، راسما على بلاط باب المطبخ لونا باهتا يقترب من الدخول في مرحلة البياض الناصع، وتزداد مساحته بمرور الوقت..
لم يستطع الولد صيد أي فكرة أو حتى إقناعها بمجرد حديث عابر لدقائق.. " يبدو أنني صرت صيادا عجوزا" هكذا قال الولد في نفسه، وقرر أن يجرب بعض الألاعيب الذهنية لتمضية الوقت، بينما يراقب انحسار العتمة من حوله، لكن دماغه لم يطاوعه واستسلم لحالة من الحياد التام تجاه أي شيء.
بسرعة توقفت العصافير وتلاشى صوتها، إلا من ثلاثة أو أربعة ظلت تعزف بشكل منفرد.. بعدها نبتت أصوات أقدام في الشارع، أحذية ثقيلة تمشى ببطء وهى تضغط على رمل الطريق بقوة، تبعها أصوات صنابير مياه وأبواب شقق تغلق وأقدام تنزل السلم مسرعة وموتور سيارة يهدر لبعض الوقت قبل أن تنطلق..
قال الولد في نفسه: " أيهما أفضل، الشاي بالقرنفل أم القهوة". وظل لفترة طويلة يفكر: هل يبدأ صباحه برائحة القهوة أم برائحة القرنفل..

2011/04/07

أغنية الكعكة الحجرية

منذ سنوات كنت اعتقد أنني من جيل غير محظوظ، وكنت انظر إلى جيل الستينيات باعتباره أكثر حظا منا، فهم عاشوا أحداثا تاريخية مهمة غيرت تاريخ مصر، بداية من ثورة يوليو وتأميم قناة السويس وحرب 56، إلى الوحدة مع سوريا وحرب اليمن وبناء السد العالي وهزيمة 67 وحرب الاستنزاف، حتى نصر اكتوير 73. بالتأكيد معاصرتك لكل تلك الأحداث والتي وقعت خلال عشرين عاما فقط، ستجعلك إنسانا مختلفا، ليس على المستوى الفكري والثقافي فقط، ولكن كونك مشاركا في صنع التاريخ، بل وأن تكون جزءا منه.. بيني وبين نفسي كنت أتمنى أن أكون موجودا في تلك الفترة، عندما تسمع ذكريات الكبار الين شاركوا في بناء السد العالي، وحربي الاستنزاف و73، تكتشف نبرة إيمان في صوتهم.. إيمان حقيقي بما فعلوا، صوت يشي بالاحترام والفخر بكل تلك الانجازات، هذا الإيمان هو ما كنا نفتقده في جيلي، تبدو الحياة في حالة ركود وخمول، وكأنها توقفت عند نقطة معينة وترقص أن تبارحها، حتى الأحداث المهمة التي وقعت في العالم في التسعينيات وبداية الألفية، كسقوط جدار برلين وحروب الخليج وسقوط بغداد، لم تحرك شيئا من هذا الركود، وكأنها حدثت في عالم آخر ليس له علاقة بنا، يمكن القول أن هذا الركود طال مفهوم الوطن، والذي أصبح شيئا هلاميا لا يثير فينا أي نوع من المشاعر أو الأحاسيس، صار الوطن مجرد كلمة نتذكرها في الأعياد القومية وسرعان ما ننساها، لم أكن أتخيل أن هذا الإيمان الذي يلمع في أصوات الكبار عند الحديث عن ذكرياتهم سينبت من جديد، ليس في الأصوات فقط ولكن في العيون والوجوه والقلوب التي ملأت ميدان التحرير. هناك كتابا صدر منذ سنوات حمل اسم: تراث العبيد في حكم مصر المعاصرة للدكتور: ع ع، الكتاب الذي لم يضع المؤلف اسمه الكامل عليه واكتفى بأول حرفين، يدور حول أن المصريين تعودوا على الخنوع لحكامهم، وان هذه المسألة تكاد تصل إلى أنها أصبحت جزءا أصيلا من ثقافتنا، متتبعا تاريخا طويلا منذ فكرة الفرعون في مصر القديمة، حتى فترة دولة المماليك، ووجود تلك المفارقة النادرة وهى قبول شعب من الأحرار أن يحكمه العبيد، عموما كنت اختلف مع وجهة النظر التي يطرحها الكتاب، وأيضا مع بعض الأصدقاء الذين يطرحون فكرة أن الشعب المصري غير ثوري، كانت وجهة نظري أننا ثوريون، لكن الصعوبة تكمن في عدم توقع متى نثور، غالبا تكون الثورة غير متوقعة، وأننا على الأقل خلال كل قرن ـ في فترة مصر الحديثة ـ نثور مرة أو مرتين، وندخل في أكثر من حرب، ففي مطلع القرن التاسع عشر كانت هناك ثورات ضد الفرنسيين وما تلاهم من حكام حتى مجيء محمد على، ثم ثورة عرابي في 1882 وفى القرن العشرين كانت ثورة 19 ثم ثورة يوليو، وبين كل تلك الثورات كانت هناك انتفاضات تحدث من وقت لأخر، مثل ثورات الطلبة قبل حرب أكتوبر، وانتفاضة الخبز في 1977..إذن المصريون يستطيعون تغيير الواقع، لكن لا أحد يمكنه معرفة التوقيت الذي يختارونه لهذا التغيير. ما الذي جال في ذهني في تلك الأيام؟ حسنا..بداية تذكرت قصيدة: أغنية الكعكة الحجرية لأمل دنقل " دقت الساعة الخامسة/ ظهر الجند دائرة من دروع وخوذات حرب/ ها هم الآن يقتربون رويداً.. رويداً../ يجيئون من كل صوب/ والمغنون - في الكعكة الحجرية – ينقبضون/ وينفرجون/ كنبضة قلب!/ يشعلون الحناجر/ يستدفئون من البرد والظلمة القارسة/ يرفعون الأناشيد في أوجه الحرس المقترب/ يشبكون أياديهم الغضة البائسة/ لتصير سياجاً يصد الرصاص.."، وتذكرت صديقي الراحل: محمد ربيع وكنت أعتقد انه سيكون في قمة السعادة لو عاش حتى هذه اللحظة، كانت ضحكته ونبرة صوته تجول في أذني كثيرا، تذكرت الدكتور عبد الوهاب المسيرى كان يمتلك هذا الإيمان الذي كنت اشك أحيانا في وجوده، وتذكرت الدكتور: محمد السيد سعيد والذي لم أقابله أبدا، لكنني كنت أتابع كتاباته، كنت أتمنى أن يكون هؤلاء الثلاثة موجودين في تلك الأيام، ربما ليروا كيف أن القدر يستجيب لإرادة الشعب إن هو أراد وصمم على إرادته.